عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
39
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
يخطب ، فجئت إلى الجامع ودخلت من الباب الغربي وبجسمي تهريس ، فركعت . ثم جلست فأخذتني سنة ، وإذا برجل عن يميني فلكزني بيده ، فنظرت فإذا هو الشيخ أبو علي سالم ، ثم لكزني آخر عن يساري ، فنظرت فإذا هو الشيخ أبو علي عمّار ، فقلت : ما ساقني اللّه تعالى إلى هذا الموضع إلا أني أجلس بين صيدين ، فعلمت أن الشيخ سالما « 1 » لم تفته الخطبة بجامع القيروان ، ولولا فضل اللّه تعالى ثم اتساع باطن الشيخ ، ما ملك أحد نفسه أن يثبت بين يديه ، فإن السّرّ الذي أعطاه اللّه أغناه به عمن سواه . ولما قدم والدي عثمان ، وهو ابن أخي الشيخ أبي علي سالم وجماعة من أصحابه من الحج ، مشى من أهل القيروان وبني جرير برسم تهنئته لقدوم ابن أخيه ، فساروا في الطريق والشيخ الرباوي ماش على قدميه ، فرغب إليه من معه في الركوب ، فامتنع من ذلك ، فألحّوا عليه ورغبوه بما أجابهم لذلك . فلما وصلوا إلى قديد فرح بهم [ الشيخ ] « 2 » وقال للرباوي : يا سيدي أبا عبد اللّه هات رجلاك ، فإني أرى بهما « 3 » أثر الشوك ، فلأي شيء لم تركب ؟ فسكت عنه ، ثم قال لمن وصل معه : لأي شيء لم تركبوا سيدي أبا عبد اللّه ؟ فأخبروه أنهم رغبوه في ذلك فامتنع ، فقال له الشيخ أبو علي : لأي شيء كان ذلك ؟ فأمسك عن الجواب ، ثم كرر عليه وأمسك عن الجواب ، ثم قال كذلك في الثالثة ، فقال له : يا سيدي أبا علي كيف أركب وأنت بجنبي تمشي ، أما أستحي من اللّه عزّ وجل ونتأدب مع ولي اللّه تعالى ، فصمت الشيخ ولم يعد عليه كلاما . قلت : وإنما ذكرت هذا في كرامة الشيخ الرباوي لأن طلب الشيخ أبي علي سالم منه الجواب مرارا يقتضي أن الشيخ أبا علي اعتقد أن الرباوي لم يره كمن معه . فهي كرامة لهما معا والرباوي أخص بها . واللّه أعلم . قال العواني : ومن كرامات الشيخ الرباوي أن أبا [ علي ] « 4 » زيد عبد الرحمن الفازازي ، كان خرج من تونس بمحلّة وافرة ، وتواترت عنه الأخبار ، أنه أضمر شرّا لأهل القيروان ، ففزع جماعة من أهل البلد إلى الشيخ أبي عبد اللّه وأعلموه بالخبر ،
--> ( 1 ) ت ، ط : سالم . ( 2 ) سقط من : ت . ( 3 ) ت : فيهم . ( 4 ) سقط من : ت .